أحمد بن علي القلقشندي
328
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
السائر « : وهذا من أدق السرقات مذهبا وأحسنها صورة ، ولا يأتي إلا قليلا . فمن ذلك قول المتنبي : وإذا أتتك مذمّتي من ناقص فهي الشّهادة لي بأنّي كامل ( 1 ) وهذا المعنى استخرجه المتنبي من قول بعض ( 2 ) شعراء الحماسة ، وإن لم يكن صريحا فيه حيث يقول : لقد زادني حبّا لنفسي أنّني بغيض إلى كلّ امريء غير طائل ( 3 ) قال في « المثل السائر » : والمعرفة بأنّ هذا المعنى من ذلك المعنى عسر غامض غير متبيّن إلا لمن أعرق في ممارسة الشعر ، وغاص على استخراج المعاني . قال : وبيان ذلك أن الأوّل يقول : إن بغض الذي هو غير طائل إيّاي قد زاد نفسي حبّا إليّ ، أي قد جمّلها في عيني وحسّنها عندي كون الذي هو غير طائل منقصي ؛ والمتنبي يقول : إن ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك عنده . وأظهر من ذلك أخذا من هذا الضرب قول البحتريّ في قصيدة ( 4 ) يفخر فيها بقومه : شيخان قد ثقل السّلاح عليهما وعداهما رأي السميع المبصر
--> ( 1 ) في بعض النسخ : « فاضل » . ( 2 ) وهو الطرماح بن حكيم الطائي ، كما في الإيضاح : 422 . ( 3 ) وقد ذكر العميدي في كتابه « الإبانة عن سرقات المتنبي ص : 50 ، بيتا لنصر بن سيار استخرج منه المتنبي بيته المذكور . وبيت نصر هو : ولربما نفع العدوّ بعقله ولربما ضرّ الصديق الجاهل . وأضاف العميدي : وأخذه المتنبي من قصيدة أخرى : ومن العداوة ما ينالك نفعه ومن الصداقة ما يضرّ ويؤلم ( 4 ) ومطلعها : أقصر فإن الدهر ليس بمقصر حتى يلفّ مقدما بمؤخّر